العيني

21

عمدة القاري

قال الشافعي في كتابه القديم : راوي هذا مجهول عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، وأكثر الرواة عن ذلك المجهول يزعم أن الذي روى هذا عنه غلط عليه ، وأن هذا ليس في حديثه . قلت : الذي رواه عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، هو عاصم بن حمزة كما ذكرناه ، وهو ليس بمجهول بل معروف ، روى عنه الحكم وأبو إسحاق السبيعي وغيرهما ، ووثقه ابن المديني والعجلي ، وأخرج له أصحاب السنن الأربعة ، وإن أراد الشافعي بقوله : يزعم أن الذي يروى هذا عنه غلط عليه ، أبا إسحاق السبيعي فلم يقل أحد غيره إنه غلط ، وقد ذكر البيهقي وغيره عن يعقوب الفارسي وغيره من الأئمة أنهم أحالوا بالغلط على عاصم ، وأما قول البيهقي وحماد بن سلمة : ساء حفظه في آخر عمره ، فالحفاظ لا يحتجون بما يخالف فيه ، فصادر عن تعسف وتمحل لأنه لم ير أحد من أئمة هذا الشأن ذكر حمادا بشيء من ذلك ، والعجب منه أنه اقتصر فيه فيه على هذا المقدار ، لأنه ذكره في غير هذا الموضع بأسوأ منه . وقوله : وخاصة عن قيس بن سعد ، باطل ، وما لقيس بن سعد فإنه وثقه كثيرون وأخرج له مسلم على أن روايتهم التي يستدلون بها غير سالمة عن النزاع ، فإن الدارقطني ذكر في كتاب ( التتبع على الصحيحين ) أن ثمامة لم يسمعه من أنس ولا سمعه عبد الله بن المثنى من ثمامة . انتهى . وكيف يقول البيهقي : وروينا الحديث من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس من أوجه صحيحة ، وفي ( الأطراف ) للمقدسي : قيل لابن معين : حديث ثمامة عن أنس في الصدقات ؟ قال : لا يصح وليس بشيء ، ولا يصح في هذا حديث في الصدقات ، وفي إحدى روايات البيهقي : عبد الله بن المثنى ، قال الساجي : ضعيف منكر الحديث ، وقال أبو داود : لا أخرج حديثه ، وذكره ابن الجوزي في ( الضعفاء ) وقال : قال أبو سلمة : كان ضعيفا في الحديث . وأما قول الظاهرية ، الذي قال به ابن حزم أيضا فباطل بلا شبهة إذ لم يرد الشرع بجعل السائمة نصابا بربع بعير أو ثمنه أو عشره ، وتعلقوا بقوله : فإذا زادت ، وقالوا : الزيادة تحصل بالثمن والعشر . وفيه : في قوله : ( في كل خمس شاة ) تعلق مالك وأحمد على تعين إخراج الغنم في مثل ذلك حتى لو أخرج بعيرا عن الأربع والعشرين لم يجزه عندهما ، وعند الجمهور ، وهو قول الشافعي إنه يجزيه لأنه يجزئ عن خمس وعشرين فما دونها إولى لأن الأصل أن يجب من جنس المال ، وإنما عدل عنه رفقا بالمالك ، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه ، فإن كانت قيمة البعير مثلاً دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم ، والأقيس أنه لا يجزئ . وفيه : في قوله : ( في أربع وعشرين ) دلالة على أن الأربع مأخوذة عن الجميع ، وإن كانت الأربع الزائدة على العشرين وقصا ، وهو قول الشافعي في ( البويطي ) وقال في غيره : إنه عفو ، ويظهر أثر الخلاف فيمن له تسع من الإبل فتلف منها أربعة بعد الحول ، وقبل التمكن حيث قالوا : إنه شرط في الوجوب ، وجبت عليه شاة بلا خلاف ، وكذا إذا قالوا : التمكن شرط في الضمان ، وقالوا : الوقص عفو . فإن قالوا يتعلق به الفرض وجب خمسة أتساع شاة ، والأول قول الجمهور كما نقله ابن المنذر ، وعن مالك رواية كالأول . وفيه : أن ما دون خمس من الإبل لا زكاة فيه وهذا بالإجماع . وفيه : في قوله : ( إلى خمس وثلاثين إلى خمس وأربعين إلى ستين ) دليل على أن الأوقاص ليست بعفو ، وأن الفرض يتعلق بالجميع وهو أحد قولي الشافعي . قال صاحب ( التوضيح ) : والأصح خلافه . وفيه : أن زكاة الغنم في كل أربعين شاة ، وقد أجمع العلماء على أن لا شيء في أقل من الأربعين من الغنم ، وأن في الأربعين شاة ، وفي مائة وعشرين شاتين وثلاثمائة ثلاث شياه ، وإذا زادت واحدة فليس فيها شيء إلى أربعمائة ففيها أربع شياه ، ثم في كل مائة شاة ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في ( الصحيح ) عنه ، والثوري وإسحاق والأوزاعي وجماعة أهل الأثر ، وهو قول علي وابن مسعود . وقال الشعبي والنخعي والحسن بن حي : إذا زادت على ثلاثمائة واحدة ففيها أربع شياه إلى أربعمائة ، فإذا زادت واحدة يجب فيها خمس شياه ، وهي رواية عن أحمد ، وهو مخالف للآثار . وقيل : إذا زادت على مائتين ففيها شاتان حتى تبلغ أربعين ومائتين ، حكاه ابن التين وفقهاء الأمصار على خلافه . وفيه : أن شرط وجوب الزكاة في الغنم السوم عند أبي حنيفة والشافعي ، وهي الراعية في كلأ مباح ، وقال ابن حزم : قال مالك والليث وبعض أصحابنا : تزكى السوائم والمعلوفة والمتخذة للركوب وللحرث وغير ذلك من الإبل والغنم ، وقال بعض أصحابنا : أما الإبل فنعم ، وأما البقر والغنم فلا زكاة إلاَّ في سائمتها ، وهو قول أبي الحسن بن المفلس ، وقال بعضهم : أما الإبل والغنم فتزكى سائمتها وغير سائمتها ، وأما البقر فلا يزكى إلاَّ سائمتها ، وهو قول أبي بكر بن داود ، ولم يختلف أحد من أصحابنا في أن سائمة الإبل وغير سائمة الإبل منها